المقريزي

386

إمتاع الأسماع

الوجه الثاني : لاحق به في البيان والجلاء ، وهو أن يكون القائل ، لما قال في جهته صلى الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ، ولا معتقد له ، ولكنه تكلم في جهته صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر من لعنه ، أو سبه ، أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه ، أو نفي ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة ، مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة أو مداهنة في تبليغ الرسالة ، أو في حكم بين الناس ، أو بعض من مرتبته ، أو شرف نسبه ، وفور علمه ، أو يكذب بما استمر من أمور أخبر بها صلى الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها عنه قصد لرد خبره أو يأتي نسقه من القول ، وقبيح من الكلام ونوع من السب في جهته ، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ولم يقصد سبه أو لجهالة جملته على ما قاله لضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة ، وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه ، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول : القتل دون تلعثم ، إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ، ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشئ مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليما ( إلا من أكراه وقلبه مطمئن بالإيمان ) ( 1 ) وبهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قدمناه . وأفتى أبو الحسن القابسي في من شتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره : يقتل لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه ، وأيضا فإنه حد لا يسقطه السكر كالقذف ، والقتل وسائر الحدود لأنه أدخله على نفسه ، لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها وإتيان ما ينكر فهو كالعامد لما يكون بسبه ، وعلى هذا ألزمناه الطلاق ، والعتاق ، والقصاص ، والحدود ، لا يعترض على هذا بحديث حمزة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أنتم إلا عبيد لأبي قال فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فانصرف ، لأن الخمر كانت حينئذ غير محرمة ، فلم يكن في جناياتها إثم ، وكان حكم ما يحدث عنها معفوا عنه ، كما يحدث من النوم ، وشرب الدواء المأمون الوجه الثالث : أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله ، وأتى به ، أو ينفي نبوته أو رسالته ، أو وجوده ، أو يكفر به ، انتقل بقوله ذلك إلى دين آخر غير ملته أم لا ، فهذا كافر بإجماع يجب قتله ، ثم ينظر ، فإن كان مصرحا بذلك كان

--> ( 1 ) النحل : 106